محمد كرد علي
324
خطط الشام
يحببون إليهم الاتكال وضعة النفوس ، وكأنهم يقولون : إن سبيلهم لا غيرها هي سبيل الفلاح والتمجد ، وإن الفضائل لا شأن لها أمام المغانم . وإن العلم لا ينفع بغير تدليس ، والطريق المسلوك عندهم طريق المداجاة والمحاباة ، وإتقان المؤمرات والسعايات . ومنهم أناس ظنوا ويا لسوء ما ظنوا ، أن السعادة مناط القحة ، والسعادة هي المال ، والمال محلل أخذه من كل وجه ، فتراهم يرتكبون كل شائن من العمل ليجمعوا مالا ويعددوه ويستمتعوا بمتع الحياة ، فهم حراص على كل ما يوصلهم إلى غايتهم ، سلاط في التسور على مقامات أهل الفضل ، يصمونهم بكل كبيرة وينبزونهم بالخفة والرعونة . جوزوا لأنفسهم السرقة ، لأنهم لا مأرب لهم في غير الإثراء ، وجمع المال جماع المزايا في نظرهم . احتقروا الشرائع فهان عليهم تبديل مذهبهم والتقرب إلى أهل كل دين وطريقة بدينهم وطريقتهم . ولو أنصفوا لعدوا لصوصا عارفين باللصوصية ، واللص يسرق خفية من طريق واحدة قد يكون فيها مكرها ليطعم نفسه وعياله ، وهذا يسرق جهرة من كل طريق ويزيد على لؤم طباعه تبجحا بالمبادئ والشرف والأمانة ، ومن الغريب أن يرى حتى من الأذكياء من يجلونه أو يغالطون أنفسهم في انحطاط أخلاقه وهم يعرفونها ، ورحم اللّه شاعر مصر إسماعيل صبري حيث قال : غاض ماء الحياء من كل وجه * فغدا كالح الجوانب قفرا وتفشى العقوق في الناس حتى * كاد رد السلام يحسب برا أوجه مثلما نثرت على الأج * داث وردا إن هن أبدين بشرا وشفاه يقلن أهلا ولوأدّ * ين ما في الحشا لما قلن خيرا ومنهم أناس ورثوا عن آبائهم استحلال أكل السحت والعبث بحقوق العباد . فلما تلقفوا القشور اللازمة لهم في المدارس التي سموها بالعليا ومرنوا على النفاق والباطل ومردوا على آداب الأديان وخرجوا عن أوضاع المجتمعات ، جاءوا سراقا يسكنون القصور ، وعاشوا طول حياتهم في ذل النفوس ، يجمعون بين المنازع المختلفة في وقت واحد علما بأن أحدها لا بد أن تكتب له الغلبة ، فإذا نجح كان لهم حظ من نجاح أهله ، وإذا أثمر الآخر لم تفتهم خيراته ، جعلوا